فرقة الدراسات الحضارية والاستشرافية

لم يَرنو مالك بن نبي فحسب الى تفكيك الواقع المتخلف الذي كان يعرفه العالم الاسلامي وتشخيص أزماته وفهم حاضره، بل إنه حاول استشراف المستقبل وممارسة التفكير الاستشرافي وقراءة المسارات المستقبلية اعتمادًا على “مؤشرات اجتماعية وثقافية واقتصادية”، وهو ما مكنه من التنبؤ بعدد من الظواهر والتحولات الكبرى، إذ لم يكن استشرافه للمستقبل نابعاً من مجرد التخمينات أو من الفراغ.
لقد تنبأ مالك بن نبي بسقوط الإيديولوجية الشيوعية والاتحاد السوفيتي معاً، استنادًا إلى “مؤشر” استقاه من أفواه العمال السوفييت آنذاك، حيث كانوا يقولون: “”الدولة تتظاهر بأنها تدفع لنا أجورًا، ونحن نتظاهر بأننا نعمل”. وهو المؤشر الذي اعتبره مالك بن نبي دليلاً على أن الشيوعية كفكرة دافعة ومُحركة ومُركبة لم تعد قادرة على منح المبررات الأخلاقية الضرورية للعمل والإنتاج، وهو ما جعله يستشرف انهيار الاتحاد السوفياتي.
كما تنبأ لاحقًا بأن القرن المقبل سيكون “قرن الدولار، واليهودي، والمرأة”، وهو تنبؤ ثبتت صحته، حيث نشهد البيوم هيمنة الإمبريالية الأمريكية، وتعاظم النفوذ الصهيوني العالمي، وكذا بروز الحركة النسوية كفاعل مؤثر في التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية المعاصرة في الغرب.
وانطلاقًا من هذا الإرث الفكري الاستشرافي لمفكرنا مالك بن نبي، جاءت فكرة تأسيس هذه الفرقة التي تهدف إلى فهم الحاضر فهمًا عميقًا مؤسسا على دراسات سوسيولوجية ونفسية واقتصادية تطبيقية جدية (لا نظرية فقط)، بالنظر الى أن استشراف المستقبل لا يمكن أن يتحقق دون تشخيص دقيق للواقع الراهن.
إن هدف هذه الفرقة يكمن في رصد المؤشرات الضعيفة، وتتبع الاتجاهات العميقة، وتحليل عوامل الانقطاع والتحول، إضافة إلى دراسة العوامل الحاملة للمستقبل، من أجل بناء رؤى استباقية وسيناريوهات محتملة لمسارات التحول في مجتمعاتنا. فالمستقبل، إذا لم نشارك في صناعته بوعي واستباقية، سيفرضه غيرنا علينا، فنصبح مجرد متفرجين على حاضرنا ومنساقين بالأحداث دون أن يكون لنا هامش للمناورة أو التأثير فيه.
وعليه، فإن الاستباقية واليقظة الاستراتيجية تشكلان ركيزتين أساسيتين لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وهو ما يتطلب الالتزام بجملة من المناهج والأدوات العلمية مثل التحليل الاستراتيجي وبناء السيناريوهات، وهو ما يمكننا من تقليص عدم اليقين وتعزيز القدرة على التنبؤ وصناعة القرار.
في هذا الإطار، تسعى هذه الفرقة إلى المساهمة في إنتاج معرفة علمية تساعد على الفعل في التاريخ، لا الاكتفاء بردّ الفعل، وذلك من خلال تقليص مساحات الغموض وعدم اليقين، وتوسيع هامش المناورة، والمشاركة الواعية في صناعة المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى