فرقة الدراسات السوسيولوجية والثقافية

لقد شملت إسهامات مالك بن نبي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية صياغة نظريات أصيلة حول الحضارة، التاريخ، الفلسفة، الثقافة كما وضع مفاهيم ومصطلحات جديدة لم يسبق لها مثيل: مثل «القابلية للاستعمار»، «مجتمع ما بعد الموحدين»، «المعامل الاستعماري»، «النزعة التذريرية»، «ذهان السهولة والاستحالة»، «العطالة الاجتماعية»، «البوليتيكا» و«الزردة»… وقد طور هذه المفاهيم من خلال دراسة تأخر المسلمين التاريخي وتجربة الاستعمار، كما صاغ مقاربات حول العوامل الاقتصادية المؤثرة في مسار المجتمعات.
أما نظريته في التاريخ، التي تهدف إلى فهم ديناميات المجتمعات التاريخية والعوامل المحددة لمسارها، فتركز على جدلية العوالم الثلاثة في إطار العالم الثقافي للمجتمع.
أما نظرية الحضارة فتأتي في صورة معادلة: الإنسان + التراب + الزمن، مع إضافة عامل مركب وهو الفكرة الدينية أو بديلها غير الديني.
وأما نظرية الثقافة، التي لخصها في أربعة محاور (العامل الأخلاقي، النزعة الجمالية، النزعة العملية/البراغماتية، والعلم)، فتشكل الإطار المرجعي الذي يوجه السلوك الاجتماعي ويشكل شخصية الفرد والمجتمع معًا.
في هذا الإطار، تم إنشاء فرقة الدراسات السوسيولوجية والثقافية ضمن مخبر/كرسي «مالك بن نبي للدراسات الحضارية». وتشمل مهامها الأساسية:
دراسة وتعميق نظريات ومفاهيم مالك بن نبي، مع التركيز على العوامل السوسيولوجية والثقافية التي تساهم في نشوء المجتمعات وصناعة التاريخ واندماجها في حركته.
تحليل أسباب قابلية المجتمعات المسلمة للتخلف والانحطاط والعطالة، واستكشاف شروط نهضتها من خلال وضع مؤشرات قياسية وقابلة للتحقق للنهضة.
بمعنى آخر، تتبع هذه الفرقة مهمتين متكاملتين:
1.تحديد البراديغم الحضاري الشامل انطلاقًا من الدراسة النظرية لمفاهيم ونظريات مالك بن نبي.
2.جعل هذا البراديغم مرجعية فكرية وإطارًا تحليليًا لدراسة وتفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية المعاصرة.
ومن الضروري إعادة توظيف فكر مالك بن نبي، الذي أنتج بين أربعينيات وسبعينيات القرن العشرين في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي واقتصادي مختلف عن زمننا الراهن، لفهم أسباب تأخر المسلمين اليوم، واستشراف شروط النهضة من خلال صياغتها كمؤشرات واقعية.
وتُحذر هذه المقاربة من القراءات الاحتفائية والمتكررة وغير النقدية، التي تقتصر على إعادة إنتاج مفاهيم بن نبي كما وردت في سياقها الأصلي دون تحديث أو إبداع أو نقد، حيث يؤدي ذلك إلى إفقار الفكر البنابي وجعله عقيمًا.
ولذلك، يُطلب من الباحثين في هذه الفرقة:
استيعاب فكر بن نبي في سياقه التاريخي، فهمه بعمق، ثم إعادة صياغته وتوظيفه في الواقع المعاصر وفق حاجات الأمة الإسلامية ومتطلبات العصر،
بهدف تحويل البراديغم الحضاري الشامل لبن نبي إلى أداة للتجديد الفكري والاستراتيجي.
وأخيرًا، وبفضل توجه الفرقة نحو التحليل السوسيولوجي والثقافي للمفاهيم والنظريات البنابية، إضافة إلى البحوث الميدانية حول مظاهر الثقافة واللاثقافة وقياس الوعي الاجتماعي والجماعي باستخدام أدوات كمية ونوعية مثل الاستبيانات والمقابلات المعمقة، فإن هذه الفرقة تزود باقي الفرق، وخصوصًا الفرقة الأولى، بالبيانات والتحليلات الضرورية لاستشراف المستقبل واقتراح استراتيجيات نهضوية مستلهمة من البراديغم الحضاري البنّابي الشامل.

زر الذهاب إلى الأعلى