حول مالك بن نبي

وُلِد مالك بن نبي بمدينة تبسة، الواقعة في أقصى شرق الجزائر على الحدود الداخلية مع تونس، سنة 1323هـ الموافق لـ1905م، في مرحلة تاريخية مضطربة شهدت تحولات كبرى في الجزائر والعالم العربي؛ إذ تزامن ميلاده مع سقوط الخلافة العثمانية، وترسّخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر، وبسط النفوذ الاستعماري على تونس والمغرب، في وقت كانت فيه أغلب الأقطار العربية ترزح تحت الاستعمار، وما نتج عن ذلك من حركات جهادية تحررية ودعوات إصلاحية فكرية ودينية.

نشأ مالك بن نبي في بيئة جزائرية محافظة، وسط أسرة فقيرة، وكان يعتمد على عمله الخاص لتأمين متطلبات دراسته. وبسبب ظروف الاحتلال، لم يُسمح له بالالتحاق بالتعليم الثانوي بعد إنهائه المرحلتين الابتدائية والإعدادية، فتابع دراسته في معهد خاص، وتخرّج سنة 1925م برتبة “باش عدل”، أي مساعد قضائي، بعد أربع سنوات من الدراسة في مؤسسة كان يصفها بأنها أشبه بـ«السجن»، إذ اقتصر دوره فيها على تعليم الصيغ الإدارية كعقود الزواج والطلاق. وبعد التخرج، اضطر إلى العمل متطوعًا لندرة فرص التوظيف آنذاك.

سافر لاحقًا إلى فرنسا رفقة أحد أصدقائه، غير أن التجربة لم تُكلَّل بالنجاح، فعاد إلى مسقط رأسه. وبعد عودته، خاض محاولات متعددة للاندماج في الحياة العملية، كان أبرزها عمله بمحكمة أفلو، حيث التحق بها في مارس 1927م. وخلال هذه الفترة، احتك عن قرب بالطبقات البسيطة من الشعب، وهو ما أسهم في تعميق وعيه بواقع بلاده وبدايات تشكّل نظرته الفكرية.

وفي سنة 1930م، أعاد المحاولة بالسفر إلى فرنسا، لكن هذه المرة بهدف التحصيل العلمي. سعى في البداية للالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية، إلا أن السياسات التمييزية حالت دون قبول الجزائريين في هذا النوع من الدراسات، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في نفسه. ونتيجة لذلك، غيّر مساره العلمي، فالتحق بمدرسة اللاسلكي، ودرس تخصصًا تقنيًا بحتًا، بعيدًا عن المجالين القضائي والسياسي، وتخرج سنة 1935م مهندسًا كهربائيًا.

منذ شبابه، اتجه مالك بن نبي إلى تحليل الوقائع والأحداث من حوله، مستندًا إلى تكوين منهجي مكّنه من بلورة رؤيته لمشكلة التخلف، التي اعتبرها في جوهرها قضية حضارية قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية، فجعل جميع مؤلفاته تندرج تحت عنوان جامع هو «مشكلات الحضارة».

انخرط بعمق في البحث والدراسة والحياة الفكرية، وتزوج من امرأة فرنسية، واختار الإقامة بفرنسا، حيث بدأ مسيرته التأليفية في قضايا العالم الإسلامي، ويمكن القول إنه لم ينقطع عن الكتابة منذ سنة 1946م، حين أصدر أول أعماله «الظاهرة القرآنية». ثم ألّف روايته الفلسفية «لبيك» سنة 1947م، وتبعها بكتاب «شروط النهضة» سنة 1948م، الذي قدّم فيه مفهوم «القابلية للاستعمار»، وصدر بالفرنسية أولًا ثم تُرجم إلى العربية سنة 1957م. كما أصدر كتاب «وجهة العالم الإسلامي» سنة 1954م.

وبعد اندلاع الثورة المسلحة في الجزائر سنة 1954م، لجأ إلى القاهرة سنة 1956م، حيث واصل نشاطه الفكري، فألّف كتاب «الفكرة الإفريقية الآسيوية» في السنة نفسها، ثم «النجدة… الشعب الجزائري يباد» سنة 1957م، و«فكرة كومنولث إسلامي» سنة 1958م، و«مشكلة الثقافة» سنة 1959م.

وخلال إقامته بالقاهرة، وبفعل تواصله مع عدد كبير من الطلبة والمثقفين، اتجه إلى ترجمة مؤلفاته إلى اللغة العربية، كما شرع في التأليف مباشرة بها، فتتابعت أعماله الفكرية؛ فأصدر كتاب «الصراع الفكري في البلاد المستعمرة» سنة 1960م، وهو أول كتاب يكتبه بالعربية مباشرة. كما نشر «حديث في البناء الجديد» سنة 1960م (ملحقًا بكتاب «تأملات»)، ثم «تأملات» سنة 1961م، و«ميلاد مجتمع» و«في مهب المعركة» سنة 1962م.

وبعد استقلال الجزائر، عاد إلى الوطن سنة 1963م، وعُيّن مديرًا عامًا للتعليم العالي، الذي كان حينها محصورًا في جامعة الجزائر المركزية. وخلال هذه المرحلة، أصدر عددًا من مؤلفاته داخل الجزائر، منها: «آفاق جزائرية» سنة 1964م، و«القضايا الكبرى»، و«مذكرات شاهد القرن – الطفل» سنة 1965م.

وفي سنة 1967م، قدّم استقالته من منصبه، وتفرغ بالكامل للكتابة والنشاط الفكري وتنظيم الندوات، فأصدر «إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي» و«الإسلام والديمقراطية» سنة 1968م، ثم «مذكرات شاهد القرن – الطالب» و«معنى المرحلة» سنة 1970م، إلى جانب كتابه البارز «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، الذي يُعد من أهم ما كُتب بالعربية في القرن العشرين.

توفي مالك بن نبي رحمه الله في 31 أكتوبر 1973م بالجزائر، غير أن فكره ما زال حيًا ومشعًا، ممتد الأثر في الآفاق. وقد نُشرت له بعد وفاته عدة أعمال، منها: «دور المسلم ورسالته في القرن العشرين» سنة 1977م (وهو نص محاضرة ألقاها سنة 1972م)، و«بين الرشاد والتيه» سنة 1978م، وهو مجموعة مقالات جمعها في صيف 1972م.

 

زر الذهاب إلى الأعلى